عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
87
المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )
[ المقدمة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أما بعد ؛ فإنه لما كان العلم باللّه ، أعظم العلوم قدرا وأرفعها فخرا وأدقها معنى وأجلها سرّا ، إذ هو الغرض اللازم والواجب الدائم ، فحكمه ماض في الأولى والأخرى ؛ وما سواه من العلوم ، ينقطع حكمه بانصرام الدنيا . وهو المقصود من معرفة سائر العلوم ، وبه لا بغيره تفتخر العقول والفهوم . والعلماء به ، هم أهل الولاية الكبرى والمكانة الزّلفى ، وهم أفضل العلماء - على الإطلاق - بالتفصيل والإجمال ، وأجمعهم لكل وصف محمود من صفات المجد والكمال . فهم الخلفاء ، الكملاء ، الأدباء ، الأمناء ؛ وفيهم قال اللّه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . أردت - بإذن اللّه - أن أمنح عباد اللّه شربا من عباب المعارف ، وأظهر لهم حلاوة العلم بترتيب الحكمة في الآلاء والعوارف . وكانت الفتوحات المكية التي ألّفها الوليّ الأكبر والقطب الأعظم الأفخر ، مظهر الصفة العلمية ، ومجلى الكمالات العينية والحكمية ، لسان الحقيقة وأستاذ الطريقة ، المتبوع التابع لآثار الشريعة : محيي الدين ، قدّامة الأولياء المقرّبين ، أبو عبد اللّه محمد بن عليّ بن محمد بن العربي الحاتمي الطائي المغربي الأندلس « 1 » ، قدّس اللّه سرّه وأعلى عنده مقامه وقدره ؛ أعظم الكتب المصنّفة في هذا العلم نفعا ، وأكثرها لغرائبه وعجائبه جمعا ، وأجلّها إحاطة ووسعا . تكلّم فيها بألسنة كثيرة ، وأفصح عن معان غريبة خطيرة ؛ فصرّح تارة عن حالة ، ورمز أخرى عن حال . وأفصح طورا عن مقصود ، وأدمج أخرى عن مراد في المقال . ولم يزل - رضي اللّه عنه - يتكلّم في هذا الكتاب على حقائق الأشياء ، حتى آل به الأمر إلى الإسهاب والإطناب فعسر على الأكثرين تحصيله ، وفات عن الغالب معرفته وتأويله . وصار الناس فيه بين أحد رجلين : رجل عجز عن تحصيل الكتاب ، وعن انتوال الفائدة منه ، وخاب ، ورجل حصّل ، وعجز عن معرفة ما أراده الشيخ من
--> ( 1 ) المتوفى سنة 638 ه .